المرأة ليست مجرد مستفيدة من الرعاية الصحية، بل هي العمود الفقري والقلب النابض لهذا القطاع حول العالم. على مر العصور، واجهت النساء تحديات هائلة لإثبات جدارتهن في المهن الطبية، واليوم، يشكلن النسبة الأكبر من القوى العاملة في هذا المجال. لا يقتصر تأثيرهن على تقديم الرعاية اليومية، بل يمتد ليشمل صياغة السياسات الصحية العالمية، وتطوير أبحاث علمية غيرت مجرى البشرية.
القيادة في الصفوف الأمامية بالأرقام
أثبتت النساء جدارتهن القيادية في أحلك الظروف الصحية التي مر بها العالم. ووفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية، تمثل النساء نحو 70% من القوى العاملة في القطاع الصحي والاجتماعي عالمياً. خلال جائحة كورونا والأوبئة المتلاحقة، تولت الطبيبات والممرضات قيادة غرف العناية المركزة والمختبرات. ولم يقتصر دورهن على الجانب التنفيذي، بل برزت قيادات نسائية أدرن الأزمات بكفاءة عالية، مما أدى إحصائياً إلى تقليل معدلات الوفيات في الدول التي قادتها نساء.
رائدات عربيات حفرن أسماءهن في التاريخ
على الصعيد العربي، تمتلك المرأة تاريخاً مشرفاً في قيادة القطاع الصحي؛ فمنذ فجر الإسلام برزت "رفيدة الأسلمية" كأول ممرضة وطبيبة في التاريخ الإسلامي، حيث أسست خيمة طبية لعلاج الجرحى. وفي العصر الحديث، نجد القامات الطبية تتوالى، مثل العالمة السعودية الدكتورة غادة المطيري، البروفيسورة في جامعة كاليفورنيا التي أحدثت ثورة في مجال "الطب النانوي" عبر تطوير تقنية تتيح إدخال الدواء إلى الخلايا المصابة بالليزر دون جراحة. وكذلك الدكتورة أسمهان الوافي، التي تُعد من أبرز القياديات في مجالات البحث العلمي والأمن الصحي والغذائي عالمياً.
الابتكار والبحث العلمي الذي أنقذ الملايين
وراء العديد من اللقاحات والأدوية الحيوية عقول نسائية فذة؛ فالمرأة اليوم تقود مختبرات الأبحاث لتطوير علاجات للسرطان والأمراض الوراثية. على سبيل المثال، لعبت عالمات مثل "كاتالين كاريكو" دوراً محورياً في تطوير تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، والتي كانت الأساس لإنتاج لقاحات أنقذت ملايين الأرواح وحصلت بفضلها على جائزة نوبل في الطب. هذا التأثير البحثي يعيد تشكيل مستقبل الطب الدقيق والعلاجات الجينية ليكون أكثر أماناً وفعالية.
تغيير بوصلة الصحة الإنجابية والمجتمعية
أحدث انخراط المرأة في مجالات الطب تحولاً جذرياً في نظرة العالم لصحة المرأة والطفل. لعقود طويلة، كانت الأبحاث الطبية تُجرى أساساً على الرجال وتُعمم نتائجها على النساء، مما أدى إلى تشخيصات خاطئة لكثير من الأمراض مثل النوبات القلبية لدى النساء. بفضل إصرار الطبيبات والباحثات، تحول التركيز نحو "الطب القائم على الجنس والنوع"، وتم تسليط الضوء على الأمراض التي تصيب النساء تحديداً، وتحسين الرعاية الصحية في مرحلة الأمومة، ومكافحة سوء التغذية لدى الأطفال في المجتمعات النامية.
إن استمرار الاستثمار في تعليم المرأة وتمكينها من اعتلاء مناصب القيادة في المنظمات الصحية العالمية ليس مجرد مطلب حقوقي، بل ضرورة استراتيجية. عندما تقود المرأة في مجال الصحة، يصبح العالم أكثر أماناً، وعدالة، وعافية.
..............
المصادر
منظمة الصحة العالمية (WHO): تقريرها الشهير بعنوان "Delivered by Women, Led by Men"، والذي يوثق بالبيانات أن النساء يمثلن 70% من العاملين في القطاع الصحي والاجتماعي عالمياً. يمكنكِ الإشارة إليه عبر موقع منظمة الصحة العالمية الرسمي.
تعليقات
إرسال تعليق