القائمة الرئيسية

الصفحات

شاشات الغد تحكمنا اليوم: كيف تنبأ فيلم "الكاهن" بمعركة السيادة الرقمية؟


خاص - عاجل بوست 

هل تساءلت يوماً لماذا تظهر لك إعلانات عن منتجات كنت تتحدث عنها مع صديقك قبل دقائق؟ في الماضي، كان الكهنة يسيطرون على الشعوب باحتكار 'الأسرار المقدسة'، أما اليوم، فقد انتقل العرش إلى 'كهنة التكنولوجيا' الذين يقرأون عقولنا عبر الشاشات. حين عُرض فيلم 'الكاهن' في نهاية عام 2021، اعتقد الكثيرون أنه مجرد سيناريو خيالي مستهلك عن نظرية المؤامرة والمنظمات السرية؛ لكن نظرة واحدة على واقعنا اليوم، كفيلة بأن تخبرنا أن الفيلم لم يكن جموحاً في الخيال، بل كان مرآة مخيفة للمستقبل الذي نعيشه الآن."

حين عُرض فيلم "الكاهن" (2021) للمخرج عثمان أبو لبن وتأليف محمد ناير، ظنّ البعض أنه مجرد معالجة سينمائية جديدة لنظرية المؤامرة، أو مغامرة تشويقية داخل أروقة المنظمات السرية . لكن مع تسارع التطور التكنولوجي، يكتشف المشاهد أن الفيلم لم يكن جموحاً في الخيال، بل كان قراءة استشرافية دقيقة لواقع نعيشه اليوم؛ حيث لم تعد الحروب تُدار بالمدفعية بقدر ما تُدار بالخوارزميات والبيانات الضخمة ..

ميزان الواقعية: أين يلتقي "الكاهن" بعالمنا الحقيقي؟

الفيلم يبتعد ذكياً عن الصورة النمطية للكهنة في المعابد القديمة، ليطلق هذا اللقب على "كهنة العصر الحديث"، وهم أباطرة التكنولوجيا والمال الذين يحتكرون المعرفة الرقمية . 

هذه الفكرة تلتحم بالواقع في نقاط مفصلية:

* مملكة البيانات والخصوصية: يناقش الفيلم كيف تتحول تفاصيل حياتنا اليومية الموثقة عبر الهواتف إلى سلاح للسيطرة .. في عالمنا الواقعي، أثبتت أزمات شهيرة مثل فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" أن بياناتنا ليست مجرد أرقام، بل هي أدوات تُستخدم لتوجيه الرأي العام، وتشكيل الوعي الجماعي، وحتى هندسة نتائج الانتخابات السياسية.

* الحروب السيبرانية الصامتة: في أحداث الفيلم، نرى كيف يمكن لمنظمة خفية إسقاط أنظمة كاملة واختراق حيوات الأفراد بضغطة زر . الواقع اليوم يتطابق مع هذا؛ فالأمن القومي للدول بات مرتبطاً بحماية بِنياها التحتية الرقمية من الهجمات السيبرانية التي أصبحت سلاحاً موازياً للجيوش التقليدية.

* الاحتكارات العابرة للقارات: بدلاً من تنظيم سري واحد كالمعروض في الدراما، يمتلئ عالمنا الحقيقي بمجموعات ضغط استثمارية وشركات تكنولوجية عملاقة تملك أصولاً في الإعلام، الأدوية، والسلاح، وتستطيع التأثير المباشر في السياسات الدولية والاقتصادات المحلية.

الدروس المستفادة: كيف ننجو في عصر "الكاهن"؟

لا يكتفي الفيلم بتقديم صدمة الوعي، بل يترك للمشاهد حزمة من الدروس المستفادة التي تشكل دليلاً للنجاة في هذا العصر الرقمي المعقد:

 -1الوعي الرقمي كخط دفاع أول: يثبت الفيلم أن الجهل بآليات عمل التكنولوجيا يجعلك ضحية سهلة لها. النجاة تبدأ من فهم أن كل ما هو "مجاني" على الإنترنت مدفوع الثمن من خصوصيتك وبياناتك الشخصية.

 -2الحاجة الملحة للأمن السيبراني: حماية الهوية الرقمية لم تعد رفاهية. يعلمنا الفيلم أهمية تطبيق معايير الأمان الصارمة على المستوى الفردي والمؤسساتي لتجنب الابتزاز والقرصنة.

  -3التفكير النقدي وتفنيد الشائعات: في عالم يُدار بحرب المعلومات، يصبح التثبت من مصادر الأخبار ضرورة حتمية، حتى لا نتحول إلى بيادق في معارك رقمية صُممت خوارزمياتها خصيصاً لإثارة العواطف والفتن.

 -4استعادة السيادة الإنسانية: الدرس الأهم هو ألا نترك الآلة والذكاء الاصطناعي يقودان خياراتنا الإنسانية الأخلاقية، بل يجب أن يظل الوعي البشري هو القائد والموجه.

فيلم "[الكاهن] (2021) يمثل معالجة درامية عربية استشرافية لخطورة حرب البيانات والخوارزميات، ويتقاطع بشكل مذهل في أطروحاته مع الحقائق المفزعة التي قدمها الوثائقي العالمي الشهير ( (The Socialحين نطالع العملين، نجد أن السينما العربية في  (للمخرج عثمان أبو لبن وتأليف محمد ناير) استخدمت قالب الإثارة والتشويق وجريمة القتل لتجسيد فكرة المنظمة السرية المتحكمة في الاقتصاد والوعي. 

في المقابل، اعتمد الوثائقي الأمريكي (إخراج جيف اورلوسكي) على شهادات حقيقية لمهندسين وخبراء سابقين من عمالقة وادي السيلكون مثل جوجل وفيسبوك وتويتر.

في وجه المقارنة الأول، يتفق الفيلم والوثائقي في نزع صفة الجاسوس التقليدي وإسنادها إلى التكنولوجيا؛ ففي "الكاهن" تُستخدم الهواتف والتطبيقات كمفاتيح لاختراق حياة الصحفية فيروز وأكرم وتوجيه مصيرهما، بينما يؤكد الخبراء في الوثائقي أن المستهلك ليس العميل بل هو السلعة، وأن البيانات الشخصية تُجمع بدقة لهندسة السلوك البشري والتلاعب بالقرارات الفردية والجماعية.

أما في وجه المقارنة الثاني، فيبرز مفهوم "التوجيه والسيطرة". يعرض "الكاهن" تنظيماً خفياً يطلق عليه اسم الكاهن ويدير الأزمات من خلف الستار، وهو ما يقابله في الوثائقي العالمي خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي صُممت لإدمان المستخدمين وخلق حالة من الاستقطاب الفكري ونشر الأخبار الكاذبة بصورة أسرع وأكثر كفاءة من أي تنظيم بشري تقليدي، مما يثبت أن المبالغة الدرامية في الفيلم حول وجود "عقل مدبر" لها ما يوازيها واقعياً في السطوة المطلقة للخوارزميات.

الدروس المستفادة من هذا التقاطع الواضح تؤكد أن الوعي الرقمي والأمن السيبراني وحماية الخصوصية لم تعد رفاهية، بل هي خط الدفاع الأول لاستعادة السيادة الإنسانية في عصر باتت فيه الشاشات توجه أفكارنا ومشاعرنا قبل أن ندرك ذلك.

ختاماً، يظل فيلم "الكاهن" صرخة تحذير سينمائية مبكرة . إنه يخبرنا بصوت عالٍ أن المعركة القادمة ليست على الأرض، بل على السيرفرات والشبكات السحابية، وأن حرية الإنسان المعاصر تبدأ من قدرته على التحكم في شاشته، قبل أن تحكمه هي.

تعليقات

التنقل السريع
    -->